ويسألونك عن الفراق (1)

لم تكن نظرتي إليك حينها عادية و أنا أراك تترك وراء ظهرك مدينتنا التي جمعتنا معا وتتجه إلى بلد آخر لتكمل دراستك و مسيرة حياتك في مكان شاءت الأقدار أن يكون بعيدا عنا بآلاف الكيلومترات. بل كانت كل نظرة إليك تذكرني بلحظات وذكريات اعتدنا أن نكون فيها معا .

تذكرت حين كنت في الخامسة وكنت أنت في الرابعة من عمرك ، ونحن نلعب بالدور ، فمرة أركب أنا الدراجة ذات الثلاث عجلات إن لم تكن أكثر ، وتلعب أنت الكرة ، ثم يأتي الدور لتركب أنت الدراجة وألعب أنا الكرة .

أتذكر حين كنت آبى أن أنام في غرفتي ، وأتوجه دائما إلى غرفة إخوتي حيث كان هناك دائما سرير إضافي يستقبلني كلما أردت ذلك ، ونقضي الليل أنا وأنت في التخيل والأحلام ، أحلام كنا نرى أنه لا يفهمها أحد غيرنا نحن الاثنين ، وكنا نتشارك في كون كلانا نطمح أن نكون مختلفين ، حينها كانت مهنة “مخترع” تسيطر تماما على فكرنا .

أتذكر حب كرة القدم الذي غرسته فيّ في فترة ما ، حين كنا نصعد إلى السطح لتقضي ساعات وأنت تعلمني “الكونترول” ، فتمرر لي الكرة في اتجاهات مختلفة لتقيّم تحكمي فيها، أتذكر حبنا المشترك لفريق “البارسا” ومشاغباتنا في الانترنت والنقاشات التي خضناها للدفاع عن هذا الفريق.

أتذكر فرحتي وفرحتك حين انتهائك من الفترة الإعدادية و انتقالك إلى الثانوية التي كنت أدرس فيها ، مما يعني وجودنا أخيرا في نفس المؤسسة  ، و أتذكر كيف كان يحسدني زملائي على علاقتنا المميزة.

أتذكر افتخارك بي كأخت لك مع زملائك ، و التكلم بالنيابة عني في كثير من المواقف بدعوى أنني لا أعطي لنفسي كل حقي، فيغرقني كلامك خجلا ، كما أتذكر بالمقابل خلافاتنا الكثيرة  و كلماتك الجارحة التي أبكتني أكثر من مرة ، والتي كنت أعلم جيدا أنك لا تقصدها.

أتذكر “تفلسفنا” كما كنا نحب أن نطلق عليه ، فلقد كنا نعتقد أن لنا نحن الاثنان منطقا مختلفا على البقية ، كنا نحب التفلسف والتمنطق ، الشيء الذي كان يطلق عليه الآخرون تعقيد الأمور ، كانت لغة خاصة بيننا ، في نظر الآخرين هي ليست إلا رموزا مشفرة .

أتذكر بعد دخولي إلى الجامعة و ابتعادي نسبيا عن جو الأسرة ، أنك كنت  تقول لي ” سيرين ، لقد تغيرتِ” أو ” أنت تتصرفين كالكبار”

أتذكر أنه بعد كل خلاف مع والديّ مهما كان بسيطا كنت تأتي إليّ لتفضفض لي لأكون قاضية وفي نفس الوقت محامية لك ، لتتهمني بعدها أنني لم أكن عادلة وأنني انحزت ضدك.

أتذكر حين أصبحت فجأة و في غضون أشهر معدودة تفوقني طولا بسنتيمترات كثيرة ، هذا بعد أن كنت تقول لي حينما كنا نلعب لعبة القفز عند كل باب في المنزل لنرى من سيصل إلى أعلى نقطة  ” هذا غير عدل ، أنت طويلة ”  ، وها أنت الآن تقول ممازحا و مفتخرا بنعمة الطول الجديدة ” أووه يا صغيرتي ، كيف يصدق زملائك في الجامعة أنك طالبة تدرسين معهم ، مكانك الابتدائية وليس الجامعة “.

أتذكرك الآن في لقاء الوداع وأنت تحضنني و تقول لي “سيرين لا تبكي ، وماتخافشي، غنحمرلك وجهك “

Advertisements

7 تعليقات

  1. من الجميل أن يكون لك أخ أصغر منك!

    ^
    ^

    يا للبرود!

    ..
    احمدي الله أن لديك كمًّا جميلًا من الذكريات تجترينها في غيابه وتحمدين الله بها عليه 🙂
    كوني بخير..

    وجورية لقلبك..

  2. أسلوب حزين جداً .. أكره لحظات الفراق لكن الحياة تجبرنا عليها أحياناً ..

    ويكفي عزاءً أن المحبة ثابتة في القلب وأن صورة المفارق حاضرة دوماً في الذاكرة .. ^_^

    تمنياتي له بالتوفيق ..

  3. واو يا سيرين . . طريقة سردك أدخلتني إلى عوالم جميلة . .
    الله يخليكم لبعض ، ويعود بالسلامة في أقرب وقت .

  4. ليت لي اختا تكتب عني هكذا ..

    ليت

  5. حمدا لله لان لي اختا تكتب عني هكذا

    صراحة لم اتوقع ان افترق يوما عن اخوتي و عن اختي خاصة

    و ارجو من الله العودة سالما لاكن بعد ان عنحمر وجه اختي سيرين

    و هده مناسبة لاعتدر عن كل الاخطاء و ما اكترها اللتي ارتكبتها في حقك

    و جزاك الله الف خير عن هدا الكلام الجميل الدي زادني تقة في طريق الوصول الى القمة

  6. أغبطك يا عامر..
    هنيئا لكما المحبة والمودة.

  7. شكرا لكل من علق هنا ..
    عامر،، تحية خاصة (f)

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: